ابن كثير
155
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
البزار وابن أبي حاتم من طريقين عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية : يعني تقلبه من صلب نبي إلى صلب نبي حتى أخرجه نبيا . وقوله تعالى : إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ أي السميع لأقوال عباده ، العليم بحركاتهم وسكناتهم ، كما قال تعالى : وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ [ يونس : 61 ] الآية . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 221 إلى 227 ] هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ ( 221 ) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ( 222 ) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ ( 223 ) وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ ( 224 ) أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ ( 225 ) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ ( 226 ) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ( 227 ) يقول تعالى مخاطبا لمن زعم من المشركين أن ما جاء به الرسول صلى اللّه عليه وسلم ليس بحق ، وأنه شيء افتعله من تلقاء نفسه ، أو أنه أتاه به رئي « 1 » من الجان ، فنزه اللّه سبحانه وتعالى جناب رسوله عن قولهم وافترائهم ، ونبه أن ما جاء به إنما هو من عند اللّه ، وأنه تنزيله ووحيه ، نزل به ملك كريم أمين عظيم ، وأنه ليس من قبل الشياطين ، فإنهم ليس لهم رغبة في مثل هذا القرآن العظيم وإنما ينزلون على من يشاكلهم ويشابههم من الكهان الكذبة ، ولهذا قال اللّه تعالى : هَلْ أُنَبِّئُكُمْ أي أخبركم عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ أي كذوب في قوله وهو الأفاك أَثِيمٍ وهو الفاجر في أفعاله . فهذا هو الذي تنزل عليه الشياطين من الكهان ، وما جرى مجراهم من الكذبة الفسقة ، فإن الشياطين أيضا كذبة فسقة يُلْقُونَ السَّمْعَ أي يسترقون السمع من السماء ، فيسمعون الكلمة من علم الغيب ، فيزيدون معها مائة كذبة ، ثم يلقونها إلى أوليائهم من الإنس ، فيحدثون بها فيصدقهم الناس في كل ما قالوه بسبب صدقهم في تلك الكلمة التي سمعت من السماء ، كما صح بذلك الحديث . كما رواه البخاري من حديث الزهري : أخبرني يحيى بن عروة بن الزبير أنه سمع عروة بن الزبير يقول : قالت عائشة رضي اللّه عنها : سأل ناس النبي صلى اللّه عليه وسلم عن الكهان ، فقال « إنهم ليسوا بشيء » قالوا : يا رسول اللّه فإنهم يحدثون بالشيء يكون حقا ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم « تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرقرها في أذن وليه كقرقرة الدجاج ، فيخلطون معها أكثر من مائة كذبة » « 2 » . وروى البخاري أيضا : حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان ، حدثنا عمرو قال : سمعت عكرمة يقول : سمعت أبا هريرة يقول : إن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال « إذا قضى اللّه الأمر في السماء ضربت الملائكة
--> ( 1 ) الرئي : التابع من الجن ، الذي يتراءى لمتبوعه . ( 2 ) أخرجه البخاري في التوحيد باب 57 .